السيد محمد حسين فضل الله

49

من وحي القرآن

فإذا لم يستجيبوا لذلك ولا للإسلام ، فإن معنى ذلك إعلان الحرب والتمرد الذي يبرر للإسلام أن يدافع عن نفسه ضد كل محارب له ومتمرد على سلطته . أما الفريق الثاني ، فهو فريق المشركين والملحدين الذي يمكن للمسلمين أن يدخلوا معهم في معاهدة ضمن المصلحة الإسلامية العليا ، على رأي فقهي خاص ، أما إذا لم يكن هناك مصلحة في ذلك ، فليس هناك إلا الإسلام لقيام الحجة عليهم ، ولأن الإسلام لا يعتبر الشرك والإلحاد دينا يبعث على الاحترام ، بل هو ضد مصلحة الإنسان والحياة ، بل إن الإسلام قد جاء من أجل أن يزيل كل عوامل الشرك والإلحاد في دعوته التوحيديّة ، فلا معنى لأن يسمح بالتعايش معهما على أساس الاحترام المتبادل ، لأنه يعني إعطاء الحرية لنقيضه ، مع أن هذا يعتبر - في نظر بعض المفكرين - تأكيدا لسلطة الإسلام على هؤلاء ، لا إكراها لهم على الدين ، لأن السبيل الوحيد لممارسة هذه السلطة عليهم هو ذلك ، لأنه الذي يمنعهم من ممارسة الكفر من ناحية عملية . وهذا ما جعل القرآن يفرق في المصطلح بين الإسلام الذي يعني الخضوع لسلطة الإسلام في الجانب العملي من دون دخل للجانب العقيدي ، وبين الإيمان الذي يعني إسلام القلب والوجه واللسان ، إلى جانب إسلام العمل . . . وبذلك جرى اعتبار المنافقين من المسلمين ، مع أن القرآن يعلن أن اللَّه يشهد إنهم لكاذبون . وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام ، وهي أن هذا الموضوع خاضع في حركيته للمتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي قد تفرض بعض العناوين الثانوية التي يتبدل فيها الموضوع الذي يتبعه الحكم الشرعي ، فيمكن للدولة الإسلامية ، أو للمجتمع الإسلامي ، إبقاء الملحد أو المشرك على عقيدته في نطاق القوانين والأنظمة العامة ، ومنحه الحرية في بعض شؤونه الثقافية ليدخل في حوارات متنوعة مع المراكز الثقافية الإسلامية حول